أبي حيان الأندلسي

537

البحر المحيط في التفسير

فجزاؤه بتفضل وتضعيف . وقرأ الجمهور : بضم الياء وفتح الزاي ، الكفور رفعا ؛ وحمزة والكسائي : بالنون وكسر الزاي ، الكفور نصبا . وقرأ مسلم بن جندب : يجزي مبنيا للمفعول ، الكفور رفعا ، وأكثر ما يستعمل الجزاء في الخير ، والمجازاة في الشر ، لكن في تقييدهما قد يقع كل واحد منهما موقع الآخر . وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً : جاءت هذه الجملة بعد قوله : وَبَدَّلْناهُمْ ، وذلك أنه لما ذكر ما أنعم به عليهم من جنتيهم ، وذكر تبديلها بالخمط والأثل والسدر ، ذكر ما كان أنعم به عليهم من اتصال قراهم ، وذكر تبديلها بالمفاوز والبراري . وقوله : وَجَعَلْنا ، وصف تعالى حالهم قبل مجيء السيل ، وهو أنه مع ما كان منهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم ، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلهم أربابها ، وقدّر السير بأن قرب القرى بعضها من بعض . قال ابن عطية : حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل في أخرى ، ولا يحتاج إلى حمل زاد . والقرى : المدن ، ويقال للجمع الصغير أيضا قرية . والقرى التي بورك فيها بلاد الشام ، بإجماع من المفسرين . والقرى الظاهرة هي التي بين الشام ومأرب ، وهي الصغار التي هي البوادي . انتهى . وما ذكره من أن القرى التي بورك فيها هي قرى الشام بإجماع ليس كما ذكر ، قال مجاهد : هي السراوي . وقال وهب : قرى صنعاء . وقال ابن جبير : قرى مأرب . وقال ابن عباس : قرى بيت المقدس . وبركتها : كثرة أشجارها أو ثمارها . ووصف قرى بظاهرة ، قال قتادة : متصلة على الطريق ، يغدون فيقيلون في قرية ، ويروحون فيبيتون في قرية . قيل : كان كل ميل قرية بسوق ، وهو سبب أمن الطريق . وقال المبرد : ظاهرة : مرتفعة ، أي في الآكام والظراب ، وهو أشرف القرى . وقيل : ظاهرة ، إذا خرجت من هذه ظهرت لك الأخرى . وقيل : ظاهرة : معروفة ، يقال هذا أمر ظاهر : أي معروف ، وقيل : ظاهرة : عامرة . وقال ابن عطية : والذي يظهر لي أن معنى ظاهر : خارجة عن المدة ، فهي عبارة عن القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن ، كأنه فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن . وظواهر المدن : ما خرج عنها في الفيافي والفحوص ، ومنه قولهم : نزلنا بظاهر فلاة أي خارجا عنها ، وقوله : ظاهِرَةً : تظهر ، تسميه الناس إياها بالبادية والضاحية ، ومن هذا قول الشاعر : فلو شهدتني من قريش عصابة * قريش البطاح لا قريش الظواهر يعني : الخارجين من بطحاء مكة . وفي الحديث : « وجاء أهل الضواحي يسكنون الغرف » .